روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )
97
عرائس البيان في حقائق القرآن
الرحمن ، ومن شرب منها بفرط الحرص لإبغاء الغفلة قوة للمعصية ، يضل عن سبيل الرشاد ، ولا يملأ جوفه منه أبدا حتى يدخل إلى النيران ، وضرب اللّه تعالى أيضا هذا المثل في قصتهم لينظر الناظر فيه بعين الاعتبار ولاقتباس الأنوار فَلَمَّا فَصَلَ طالُوتُ بِالْجُنُودِ الطالوت هنا الروح ، وهي ملك الباطن ، ومثل داوود نبي اللّه عليه السلام العقل وجنوده القلب وملك الهام والعلم والفهم والإدراك والخواض ، ومثل جالوت عدو اللّه الشيطان وجنده خيل الخيال وأعوان الشهوات ، فأمر اللّه تعالى الروح بالمحاربة معه اختبارا للنفس الأمّارة ، فلمّا فصلت الروح بجنودها ، قالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ يعني نهر الشهوة الذي تشرب منه النفس بكأس الغفلة ، وأضافت إليهم الشرب ؛ لأن الروح مقدسة عن رجس البشرية ، فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي أي : ليس من عالم الروحانيات ، وليس من أهل المكاشفة الصفات ، وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي أي : من نور القدس وعالم الأنس ، إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ « 1 » أي : القلب والحواس والنفس يغترفون بقدر الترفة حتى لم يحترفوا في جوار الروح بنيران المحبة والمواجيد التي يحصل منه نور المعرفة ، فَشَرِبُوا مِنْهُ يعني النفس وأعوانها ؛ لأنهم من ملكوت الأرض ، لأجل ذلك مالوا إلى طعمة الطبيعية ، إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ أي : العقل والملك ؛ لأنهما من ملكوت السماء وليس لها إلا لذة التربية ، أما شرب القلب قدر الكفاية ؛ لأنه ممزوج بخلاصة الجسم ، فَلَمَّا جاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ أي : الروح والعقل والملك والقلب والحواس ، قالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا اللَّهِ أي : بقول أعيان الروح الذين يوقنون كشف العيان بعد مجاهدة الشيطان ، كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ كم من فئة قليلة بالعدد معها نور اليقين ، غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً التي ليس معها النصر من عند اللّه ، وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ الذين وقفوا على مراد الحق بنعت الرضا والتسليم ورؤية كرمه القديم وتسليمهم من مباشرتهم حظ مشاهدة الحق . وَلَمَّا بَرَزُوا لِجالُوتَ وَجُنُودِهِ أي : برز الروح وجندها للشيطان وجنده ، قالُوا أي : الذي عاينوا بنور الإيمان جمال المشاهدة ، رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً أي :
--> ( 1 ) الإشارة من هذه الآية أن اللّه سبحانه ابتلى الخلق بصحبة الخلق وبالدنيا وبالنّفس ، ومن كانت صحبته مع هذه الأشياء على حدّ الاضطرار بمقدار القوام ، وما لابد منه نجا وسلم ، ومن جاوز حد الاضطرار وانبسط في صحبته مع شيء من ذلك من الدنيا والنفس والخلق بموجب الشهادة والاختيار - فليس من اللّه في شيء إن كان ارتكاب محظور ، وليس من هذه الطريق في شيء إن كان على جهة الفضيلة وماله منه بدّ .